الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

110

الأخلاق في القرآن

الطّريق الموصل إليه ، هو علمٌ غير علم الأخلاق ، ومنفصلٌ عنه ، ولكن وبنظرةٍ أوسع ، نرى أنّ السير والسّلوك الرّوحي ، يلتقي في نفس الطّريق التي تهدف إليه التربية الأخلاقية ، وتحصيل الفضائل في خط التّكامل المعنوي ، أو على الأقل أنّ الأخلاق الإلهيّة هي أحد أبعاد السّير والسّلوك الرّوحاني . وعلى أيّة حال ، فإنّ الآيات والروايات ، أشارت إلى هذه النّظرية أيضاً ، ومنها : الآية ( 156 ) من سورة البقرة ، حيث تقول : « الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » . فمن جهةٍ ، يرى الإنسان نفسه أنّه مُلكٌ للَّه تعالى ، ومن جهةٍ أخرى ، يرى نفسه أنّه مُسافر ، ويتحرّك بإتّجاه اللَّه تعالى شأنه . ونقرأ أيضاً في سورة العَلق : « إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى » « 1 » . وجاء في سورة الانشقاق : « يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ » « 2 » . وجاء في سورة الرّعد : « رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها . . . يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ » « 3 » . ويوجد أكثر من ( 20 آية ) ، تحدثت عن أن لقاء اللَّه تعالى ، في الواقع هو مقصود السّالكين إلى اللَّه والعارفين به ، ويعني اللّقاء المعنوي والرّوحي مع المحبوب ، والمقصود الذي لا مثيل له . وصحيحٌ أنّ هذه الآيات ، وآياتُ الرّجوع إلى اللَّه تعالى ، تستوعب جميع هذه المعاني ، ولكن هذا لا يمنع من أنّ سير وسلوك المؤمن والكافر ، من ناحية الفِطرة والخلقة ، هو بإتّجاه الباري تعالى ، فبعضٌ ينحرف عن طريق الفطرة ، فيسقط في وادٍ سحيقٍ ، ولكن أولياء اللَّه ومع اختلافهم بالمراتب ، يصلون إلى المقصود ، مثل الحيامن التي تسير جميعاً في عالم الرّحم لِتكوين الجَنين ، فبعضها تموت في المراحل الأولى بسبب بعض الآفات ، وتتوقف عن الحركة ، وبعضها يستمر في طريقه ، ليصل أحدها إلى الهدف . وأفضل وأوضح من هذه التّعابير ، هو تعبير القرآن الكريم ، حيث يقول : « فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ

--> ( 1 ) . سورة العلق ، الآية 8 . ( 2 ) . سورة الانشقاق ، الآية 6 . ( 3 ) . سورة الرّعد ، الآية 2 .